غانم قدوري الحمد

78

رسم المصحف

فليمحه » ، خشية اختلاطه بكتاب اللّه . وقد بلغ كتّاب النبي صلى اللّه عليه وسلّم ثلاثة وأربعين كاتبا - كما مر - وكان بعضهم منقطعا لكتابة الوحي ، ولعل من أشهرهم : عثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب ، وأبيّ بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، وحنظلة ابن الربيع « 1 » . وكان أول من كتب للنبي من قريش عبد اللّه بن سعد ثم ارتد ورجع إلى مكة ، وعاد إلى الإسلام يوم فتحها « 2 » . وكان أول من كتب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم مقدمه المدينة أبيّ بن كعب الأنصاري ، وكان زيد بن ثابت يكتب معه أيضا ، لكن زيدا كان « ألزم الصحابة لكتابة الوحي » « 3 » . ويبدو أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم كان مهتما بتسجيل النص القرآني منذ أن بدأ نزوله عليه في مكة . وقد جاء في قصة إسلام عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - أن سورة ( طه ) كانت مكتوبة في صحيفة في بيت فاطمة بنت الخطاب أخت عمر ، كانت وزوجها يقرئهما القرآن منها خباب بن الأرت « 4 » . ولم تكن هذه الصحيفة التي سجلت سورة طه إلا واحدة من صحف كثيرة كانت متداولة بين أيدي الذين أسلموا من أهل مكة ، سجلت

--> ( 1 ) انظر المصادر المذكورة في صفحة ( 49 ) . ( 2 ) انظر : البلاذري ، ص 478 . وابن عبد البر : ج 1 ، ص 68 . وابن قتيبة : المعارف ، ص 130 . ويقدّم الفرّاء قصة تحكي سبب ارتداده فيقول ( ج 1 ، ص 334 ) : أن النبي صلى اللّه عليه وسلّم أملى عليه قوله : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إلى قوله : ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ [ المؤمنون 12 - 14 ] فقال ابن أبي سرح : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ تعجّبا من تفصيل خلق الإنسان . فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلّم هكذا أنزلت عليّ ، فشكّ وارتدّ ، وقال : لئن كان محمد صلى اللّه عليه وسلّم صادقا لقد أوحي إليّ ( كما أوحي إليه ) ولئن كان كاذبا لقد قلت مثل ما قال ، فأنزل اللّه تبارك وتعالى : وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ [ الأنعام : 93 ] . ولعل الموقف الذي وجد ابن أبي سرح نفسه فيه بعد ارتداده هو الذي دفعه إلى أن يدّعي - على ما يروى - أنه كان إذا أملى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلّم عَزِيزٌ حَكِيمٌ * كتب غَفُورٌ رَحِيمٌ * وكانت وفاته سنة 36 وقيل 37 ه ، وكان قد عاد إلى الإسلام بعد فتح مكة وحسن إسلامه . ( 3 ) ابن عبد البر : ج 1 ، ص 68 . وانظر : ابن حزم : ص 27 . وابن قيم الجوزية : ج 1 ، ص 29 . ( 4 ) ابن سعد : ج 3 ، ص 267 - 268 . وابن هشام : السيرة النبوية ، ج 1 ، ص 344 .